top of page

طبق فتة الدجاج بالأرز

تُعد فتة الدجاج بالأرز من الأطباق السورية التي تجمع بين البساطة والقدرة على الإشباع دون ثقل زائد، ولذلك تَشيع في استقبال الضيوف وفي اجتماعات العائلة الكبيرة لأنها تُقدَّم بوفرة في طبق مركزي واحد. كما تمنحها الزينة بالمكسرات المحمصة مثل الصنوبر أو اللوز مظهراً احتفالياً ينسجم مع صورة الكرم السوري، وتظهر بوضوح ضمن مائدة الإفطار الرمضاني بوصفها طبقاً رئيسياً خفيفاً نسبياً، أو جزءاً من سفرة عامرة في العزائم.

تنتمي فتة الدجاج إلى عائلة واسعة من أطباق الفتات المعروفة في المحافظات السورية. تقوم فكرتها على خبز مفتت أو محمص يُسقى بمرق سلق اللحم أو الدجاج، ثم تُضاف إليه مكونات أخرى بحسب المنطقة والبيت، ويُحمّض بالليمون أو الخل، وقد يُرش عليه لبن متوم أو طحينة، ثم يُكوى بالسمن أو الزيت، وتُضاف القلوبات أي المكسرات. ومن هذا الأصل جاء الاسم، إذ تُشتق فتة من الفعل فت أي كسر الشيء إلى قطع صغيرة، في إشارة إلى الخبز المفتت الذي يشكل قاعدة الطبق. وتُسجَّل في الذاكرة الشعبية عبارة راح فتة بمعنى أُوقع به، وعبارة عملو فتة بمعنى كاد له مكيدة، كما يرد قول شعبي في سياق الدعابة:


طعميتك فتة وزتيتك زتة
يامو اش زتة


تتأسس هذه الفتة على عناصر واضحة: خبز محمص أو مقرمش، دجاج مسلوق، وتتـبيلة لبن مع طحينة وثوم وحموضة، مع حضور الأرز بوصفه إضافة شائعة اليوم. ويُذكر أن أفخاذ الدجاج هي الأطيب في هذا الطبق لأن الصدر قد يكون ناشفاً. وتُقدَّم الفتة في أي وقت لخفة وسهولة تحضيرها، كما تُحضَّر في الأعياد والأفراح، وترتبط في كثير من البيوت بشهر رمضان بوصفها طبقاً مناسباً على مائدة الإفطار. ويقوم عادة بتحضيرها أهل المنزل أو ربات المنزل أو المطاعم.


تتكون المكونات كما تُروى في الوصفة من كاسة ونص رز وغالباً رز قصير حسب الرغبة، وحوالي سبع قطع من أفخاذ الدجاج. ويُسلق الدجاج بماء مع مطيبات تشمل ورق غار وعود قرفة وأربع حبات هيل وبصلة كاملة، ويضاف فلفل أسود وبهارات خضرة بوصفها بديلاً صحياً للماجي، مع رشة كركم للون، ويُضاف الملح بعد الاستواء. أما الصوص فيتكون من لبن وطحينة وثوم مهروس وعصير ليمون وملح وكمون، ويُضاف قليل من مرقة الدجاج لتعديل القوام وتعزيز الطعم. ويُجهّز خبز مقطع مربعات صغيرة يُقلى أو يُحمَّر بالفرن، مع بقدونس مفروم للتزيين وكمشة صنوبر.


تبدأ طريقة التحضير بغسل الأرز جيداً حتى تصبح المي صافية ثم نقعه حوالي عشرين دقيقة. في سلق الدجاج تُغسل الأفخاذ وتوضع في طنجرة مع مي بدون أي إضافات، وعند ظهور الزفرة تُزال باستمرار حتى تختفي تماماً. ثم تُضاف المعطرات ورق الغار والقرفة والهيل والبصلة الكاملة، ويُضاف الفلفل الأسود والبهارات الخضرة ورشة كركم، ويُترك الدجاج حتى يستوي، وقبل الاستواء بدقائق يُضاف الملح حسب الرغبة. بعد الاستواء تُرفع الأفخاذ وتُفصفص اللحمة وتُقطع قطعاً صغيرة، وتُحفظ المرقة لاستخدامها في طبخ الأرز وفي الصوص.


في تحضير الأرز يُصفى من مي النقع ويوضع في طنجرة ويُضاف مرق الدجاج بمعدل يقارب كاسة مرقة لكل كاسة رز وفق نوع الرز، ويُترك يغلي دقائق ثم تُخفض النار ويُغطى حتى يستوي ويتشرب المرقة، ثم يُترك ليرتاح قليلاً بعد إطفاء النار. وفي الصوص يُخلط اللبن مع الطحينة ثم يُضاف الثوم المهروس وعصير الليمون والملح والكمون، ويُضاف قليل من مرقة الدجاج حتى يزبط القوام ويغتني الطعم، ثم يُذاق ويُعدَّل الملح أو الحموضة حسب الرغبة. وفي الخبز يُقطع مربعات صغيرة ثم يُقلى بزيت حتى يقرمش، أو يُحمَّر بالفرن ليكون أخف.


عند الترتيب يُستخدم صحن غميق. تُخلط أرضية أولى من الرز مع الجاج والخبز وقليل من الصوص، ثم تُرتب طبقات متتابعة: رز ثم جاج ثم خبز ثم صوص خفيف، وتُكرر الطبقات حتى ينتهي الخليط، وتُدعّم الطبقة الأخيرة بكمية جاج أكثر، ثم يُسكب باقي الصوص ليغطي الوجه بالكامل، وتُزيَّن بقطع خبز محمص وبقدونس مفروم وعلى الوجه صنوبر محمص.


تُذكر أدوات الطبخ المستخدمة: طنجرة ومقلاة وملاعق وسكين، وهاون ومدقة ثوم وزبدية وصحن تقديم. ويُشرح مصطلح الهاون بوصفه الجرن والمدق النحاسي الذي يستخدم في هرس الثوم والبهارات.


على مستوى التحولات، تُذكر فكرة الطبق الأساسية بوصفها ثابتة: وجود الدجاج أو اللحم مع الخبز المفتوت والمسقى بمرق السلق. أما الاختلافات فتتمثل في الإضافات مثل الأرز ونوعه والمكسرات والزينة، وفي الصلصات المستعملة من لبن حمض وطحينة، كما تختلف التفاصيل بحسب المنطقة داخل سورية مع بقاء الفكرة الأساسية خبز مفتت مع دجاج ولبن ثابتة، وفي بعض الأماكن يضاف لها الأرز أو كمية مكسرات أكبر أو استخدام كمية أكبر من مرق الدجاج.


وتُربط فتة الدجاج بسياق تاريخي أوسع لفكرة سقي الخبز بالمرق، إذ يرد أن جمع الدجاج مع الخبز المفتت تقليد عريق في المطبخ السوري، وتشير كتب الطبخ في العصر العباسي والمملوكي إلى أطباق يُسلق فيها الدجاج ويُسكب بمرقه فوق الخبز فيما يُعرف بالثريد، وهو أسلوب تقديم يعكس جذوراً قديمة لفكرة الفتات التي تطورت لاحقاً بإضافة الرز والصلصات المتنوعة لتأخذ شكلها المعروف اليوم في المطبخ السوري. ويُذكر في كتاب الطبيخ لابن سيار الوراق وصف ثريدة بيضاء بخبز مفتوت تُصنع بلبن حليب يُحرّك حتى لا ينقطع، ثم يُلقى فيه خبز مفتوت وشيء من فلفل، ثم يُسقى بالسمن، وتُقدَّم مع شوي دجاج وفَراريج وبيض مقطع.

March 8, 2026

توثيق: محمد وسام الحلبي
تحرير: لين مهنا

مراجعة: د. هلا قصقص

المصادر والمراجع

bottom of page