تأتي حرفة المُلَقّي في صناعة الحرير الدمشقي بوصفها مرحلةً فاصلة بين أعمال تهيئة الخيط وأعمال تحويله إلى نسيج. فهي الحلقة التي تستلم الشُّقَق والغزول بعد أن تُنجَز مراحلها السابقة ويُستكمل ضبطها، ثم تتولى إدخالها وتنظيمها على نحوٍ يجعلها قابلة للنسج على النول من دون تشابك أو اختلال. وإذا كانت الصباغة تمنح الخيط لونه، والمزايكي يعيد له انتظامه بعد الجفاف، فإن المُلَقّي هو الذي ينقل الخيط من حالته المفردة المعلّقة إلى نظامٍ دقيق من العلاقات المتوازية، حيث يصبح السدى مُهيّأً ليحمل البنية التي سيقوم عليها القماش. ولهذا لا تُختزل هذه الحرفة في كونها عملاً تحضيرياً؛ بل هي عملٌ تقنيّ قائم بذاته، يقوم على فهمٍ عمليّ لطبيعة الخيط، وعلى قدرةٍ عالية في ترتيب الطبقات والمحافظة على توازنها.

يتسلم المُلَقّي الشُّقَق الحريرية والغزول بعد انتهاء المزايكي من عمله، ويكون دوره أن يقدّمها بدوره إلى الحائك، لكن بعد تركيبها وترتيبها وفق نظامٍ يسمح للحائك أن يبدأ النسج مباشرة من دون العودة إلى مراحل فكّ التشابك أو إصلاح الانقطاع. وفي جوهر عمله يقوم المُلَقّي بتركيب ما يُعرف بالسدى على أداة تُسمّى "البز"، وهي مجموعة من قضبان القصب تُدخَل بينها الخيوط وتُثبَّت ضمن ترتيبٍ محدّد. لا يعمل البز هنا كحاملٍ محايد، بل كأداة ضبطٍ أولى، تُتيح للمُلَقّي أن يفرز الخيوط وأن يوزّعها في مساراتها، وأن يمنع تداخلها عندما تبدأ مرحلة الإدخال إلى النول. وبقدر ما يبدو القصب مادةً بسيطة، فإنه عملياً مناسب لهذه المهمة لخفّته وسهولة التعامل معه، ولأنه يوفّر للمُلَقّي سطحاً منظماً يمرّ عبره الخيط من دون احتكاكٍ قاسٍ يضعف ألياف الحرير.
إلى جانب "البز" يعتمد المُلَقّي على أداة مركزية أخرى هي المِشط، وهي أداة ذات أسنان تُستخدم لإدخال خيوط السدى في نظامٍ يشبه القنوات الدقيقة، بحيث تمرّ كل طبقة في مسارها. هنا يتحول عمل المُلَقّي إلى عملية هندسية بالمعنى الحرفي: فالسدى ليس مجرد حزمة خيوط، بل طبقات يجب أن تُدرج طبقةً طبقة، وأن تُفصل بحيث يمكن لاحقاً فتحها وإغلاقها على النول لإمرار اللحمة. يقوم المُلَقّي بإدخال طبقات السدى داخل أسنان المشط، ويجعل كل طاق على حدة يدخل في سنٍّ من أسنان المشط. هذه الخطوة لا تتعلق بالترتيب الشكلي فقط، بل تؤسس للوظيفة الميكانيكية للنسج نفسه، لأن المشط يضبط مسافات الخيوط ويمنعها من الانحراف، ويضمن أن تكون فتحات السدى لاحقاً منتظمة بما يسمح للحائك بالحركة الدقيقة للنول.
خلال هذه العملية، يظلّ عامل الترتيب هو جوهر المهنة. فالمُلَقّي يضع الخيوط وفق تسلسلٍ محدد، ويحرص على ألا تتقدّم خيوط على أخرى، وألا تتداخل طبقات أو تنحرف عن مسارها. ومع أن المادة هنا تبدو لينة وسهلة الانزلاق، فإن الحرير المصبوغ يحمل قابلية عالية للتشابك بسبب نعومته ولمعانه، ولهذا يتطلب إدخاله في القصب ثم في المشط مهارة في المسك والإرخاء في الوقت نفسه: إمساكٌ يحفظ الخيط من التفلت، وإرخاءٌ يمنع انشداده بصورة قد تُحدث انقطاعاً أو تُكوّن عقداً صغيرة. ويُفهم من ذلك أن المُلَقّي لا يشتغل على الخيط بوصفه كتلة واحدة، بل بوصفه مجموعاً من الخيوط التي يجب أن تظل منفصلة ومتوازية، وأن تمر في الأدوات ضمن هندسة تتكرر مئات المرات في كل مرة يُجهّز فيها سدى جديد.
ولا تقلّ أهميةً عن ذلك خطوة إصلاح الانقطاعات قبل التسليم إلى الحائك. فحتى بعد عمل المزايكي قد تبقى انقطاعات طفيفة، أو عقد غير ظاهرة، أو مواضع ضعف على الأطراف. يقوم المُلَقّي بربط ما قد انقطع من الخيوط، لكنه يفعل ذلك على نحوٍ محسوب، لأن العقدة في السدى إن كانت كبيرة أو بارزة قد تتحول إلى نقطة احتكاك عند حركة النول، أو تُحدث تبايناً في توتر الخيوط ينعكس على صفوف النسيج. لذلك ترتبط هذه الخطوة بحسٍّ دقيق في تقدير موضع الربط وشكله، وبقدرة على إعادة إدخال الخيط المربوط ضمن مساره الأصلي من دون أن يختل ترتيب الطبقة ككل. وبذلك يصبح المُلَقّي مسؤولاً عن تكامل السدى، ليس فقط عن ترتيبِه، لأنه يضمن أن شبكة الخيوط المتوازية صالحة للعمل المتواصل على النول.
إن وظيفة المُلَقّي تُبرز أيضاً عقلانية تقسيم العمل في صناعة الحرير الدمشقية. فالحائك، على الرغم من أنه صاحب العمل الأبرز أمام المنتج النهائي، لا يبدأ من خيوط سائبة، بل من سدى مضبوط ومدروس ومُدخل ضمن أدواته الأساسية. ويعني هذا أن إنتاج القماش ليس مجرد مهارة نسج، بل نتيجة سلسلة من إجراءات الضبط السابقة: ضبط البرم عند الفتّال، وضبط السدى عند المسدي، وضبط اللون عند الصبّاغ، وضبط انتظام الخيط عند المزايكي، ثم ضبط البنية الشبكية للسدى عند المُلَقّي. لذلك يمكن القول إن المُلَقّي هو مترجم الخيط إلى لغة النول، يحوّل المادة إلى نظامٍ قابل للتكرار، ويضع الأساس الذي سيُبنى عليه النسيج من حيث الاستقامة والتوازن وكثافة الخيوط وتوزعها.
وعندما يكتمل هذا العمل تُسلَّم الخيوط إلى الحائك لحياكتها. لكن هذا التسليم لا يحدث بوصفه انتقالاً مادياً فقط، بل بوصفه انتقالاً لنظامٍ كامل جاهز للانطلاق. فالسدى بعد أن يمر على البز والمشط، وبعد أن تُستكمل طبقاته وتُصلح انقطاعاته، يصبح قابلاً لأن يُشدّ ويُثبت على النول، وأن يبدأ الحائك بتشكيل النسيج وفق العرض والطول المطلوبين. وهنا تتضح قيمة المُلَقّي داخل السلسلة: إنه الحرفة التي تمنع الفوضى من الدخول إلى النول، وتمنع أن يتحول الخيط الجميل المصبوغ إلى مادة غير مطواعة بسبب غياب التنظيم. وبهذه الصفة لا يقتصر دور المُلَقّي على التحضير، بل يقوم بوظيفة تأسيسية في جودة النسيج النهائي، لأن انتظام السدى هو الشرط الأول لانتظام النسيج، ولظهور الزخارف أو الخطوط أو التقسيمات اللونية كما ينبغي، من دون انحرافات أو تشوهات ناتجة عن أخطاء تمهيدية.
March 4, 2026
توثيق: د. هلا قصقص
المصادر والمراجع
منير كيال. مآثر شامية في الفنون والصناعات الدمشقية. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2006.
محمد سعيد القاسمي، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1960.
هلا قصقص. Damascus Silk as Living Heritage: Craft Knowledge, Urban Memory, and Continuity under Threat. 2026.








