تأتي حرفة الفتّال بوصفها المرحلة التي تمنح خيط الحرير “شخصيته” النهائية قبل دخوله في أعمال الإعداد للنسج، فهي ليست مجرد خطوة تقنية عابرة، بل عملية ضبط دقيقة للعلاقة بين الليونة والمتانة، وبين نعومة الخيط وقدرته على الاحتمال. بعد أن يخرج الحرير من طوره الأول، ويُجمع في وحدات صغيرة قابلة للتداول، يبدأ هنا عمل الفتّال على تحويل هذه المادة الحسّاسة إلى خيط أكثر انتظاماً وتماسكاً، قادر على مواجهة الشدّ المتكرر والتمرير عبر أدوات التحضير اللاحقة. إنّ الفتل في جوهره إعادة تشكيل للخيط عبر البرم، بحيث تتماسك طبقاته وتنتظم أليافه، ويصبح قابلًا لأن يُعامل كخيط عمل لا كخيط هشّ سريع الانقطاع.

يقوم الفتّال بفتل طبقات الحرير، وقد تُستعمل في بعض الحالات طبقات من القطن بحسب المطلوب من المنتج النهائي، لكن المقصود الأساس هنا هو إخضاع الخيط لبرمٍ مضبوط يراعي طبيعة المادة. لا يتحقق هذا البرم بالشدّ وحده، لأن الشدّ إذا غلبَ على العملية أفسد الخيط وقطعه، وإذا ضعفَ جعل البرم غير متجانس فتظهر تفاوتات تؤثر في جودة السدى لاحقاً. لذلك تنتمي هذه الحرفة إلى نمط من المهارات التي تتأسس على اللمس والإيقاع والإنصات لمقاومة الخيط في اليد، وكأن العامل يقرأ المادة بيديه، ويوازن بين سرعتها وهدوئها وفق خبرة لا تُختصر في الوصف.
تبدأ العملية عادةً بإعداد “شِلّة” من الخيط على الكوفية، وهي مرحلة وسيطة تتطلب ترطيب الشلة قبل الشروع بالعمل حتى تصبح الخيوط ألين وأقل عرضة للتقصف. ثم يمسك الفتّال “بالطاقة” ويهيئها للّفّ على ماسورة، وهذه الماسورة قد تكون من خشب أو من كرتون مضغوط، والغاية منها أن تُنقل الخيوط من حالتها المتراخية إلى حالتها المنظمة على حاملٍ يسمح باستمرار البرم من دون تشابك. خلال هذه الحركة يحرص الفتّال على انتظام توزيع الخيط على الماسورة، وعلى مراقبة الانقطاعات المحتملة، لأن أي انقطاع يفرض عقداً جديداً قد يترك أثراً صغيراً يتضخم أثره عندما تتكرر العقد في السدى أو عند الحياكة. هنا تتضح قيمة الحرفة بوصفها حماية مبكرة لجودة النسيج، لأن الخلل الذي يُهمل في هذه المرحلة ينتقل كعيبٍ صامت إلى المراحل التالية، ويظهر أخيراً على هيئة عدم انتظام في توتر الخيوط أو اختلاف في اللمعان أو تفاوت في سماكة السدى.
وعندما تمتلئ الماسورة يأخذ الفتّال حدّه في القطع، ثم ينقل العمل إلى ماسورة أخرى، مكرراً الفعل ذاته مع مراعاة أن يبقى البرم متسقاً، وأن لا تتغير شدة الفتل بين طاق وآخر. إن هذه الاستمرارية في الإيقاع هي ما يجعل الحرفة قريبة من فكرة “المعيار” داخل السلسلة الإنتاجية، لأن الفتّال لا ينتج مجرد كمية، بل ينتج تماثلاً: تماثل الطاقات في شدّها، وفي استوائها، وفي سلوكها حين تُشد لاحقاً على أدوات التسدية. لذلك يغدو الانضباط في هذه الحرفة شكلاً من أشكال الضمان الحرفي، ويصبح الفتّال مسؤولاً عن جعل الخيط صالحاً لأن يتحول إلى بنية أوسع، أي إلى شبكة السدى التي يقوم عليها النسيج.
بعد إعداد عددٍ كافٍ من المواسير، تنتقل الطاقات إلى منظومة تنظيمية داخل الورشة تُعرف بكشك الدولاب، حيث يُعلَّق كل طاقٍ على “جلج” مخصص لهذا الغرض. والجلج هنا ليس تفصيلاً ثانوياً، بل جهازٌ يضمن انتظام حركة الخيط ويمنع تداخله عند التشغيل. يتألف الجلج من أصابع خشبية تُثبت على هيئة تسمح بتعليق الطاقات وتوجيهها، وتستند هذه الأصابع إلى دوائر خشبية تُمسك التكوين وتمنحه استقراراً. ثم يُركّب الجلج داخل صندوقٍ مخصص يتسع لعددٍ كبير من هذه الجلاليج، وفي أعلاه يتركب جزء يُعرف بالدبيب. ضمن هذا الترتيب تبدأ مرحلة التشغيل الكبرى، حيث يعمل دولاب كبير على تحريك الكشك بما يسمح بسحب الخيوط من مواسيرها على نحو متزامن، وتصبح مهمة الفتّال مراقبة دقيقة للانسياب: كلما نفد ما على ماسورة من خيوط عُقد آخر الطاق بعناية، واستُبدلت الماسورة الفارغة بأخرى، بحيث لا تتوقف الحركة ولا يختل انتظام السحب.
إن هذا المشهد التقني يكشف أن حرفة الفتّال ليست عملاً فردياً فحسب، بل جزء من هندسة عمل داخل الورشة، تتداخل فيها الأدوات والفضاء والحركة. فالخيط هنا لا يُعامل كشيءٍ ساكن، بل كتيار مستمر ينبغي تنظيمه حتى لا يتحول إلى فوضى. ولذلك تبدو الحرفة وكأنها “فن إدارة الخيط” قبل أن تكون مجرد برمٍ له؛ إدارة لشدّه، ولمروره، ولتوزعه، ولتتابع طاقاته، حتى يصل في النهاية إلى المرحلة التالية التي تستقبله بوصفه مادة جاهزة للتسدية. ويُلاحظ أن هذه البنية التنظيمية تحافظ أيضاً على اقتصاد الوقت داخل الورشة، لأن توقف الدولاب أو اضطراب السحب يعني خسارة تتجاوز انقطاع الخيط نفسه؛ إنها خسارة إيقاع العمل بأكمله.
على المستوى الاجتماعي، تعكس حرفة الفتّال منطق التخصص داخل صناعة الحرير الدمشقية، حيث تتوزع المهام بين من يتعامل مع الخيط في أطواره الأولى ومن يضبطه ليصير خيط عمل، وبين من يحضّر السدى ومن ينسج ويصبغ ويطرّز. في هذا التدرج تظهر قيمة الفتّال بوصفه حلقة “تحويل” ثانية: فكما كانت المرحلة الأولى تحولاً من الشرنقة إلى خيط قابل للجمع، تصبح هذه المرحلة تحولاً من خيط قابل للجمع إلى خيط قابل للشدّ والتسدية. بهذا المعنى، لا يمكن فهم جودة النسيج النهائي من دون استحضار هذا العمل الوسيط الذي يضمن ثبات الخيط وانتظامه قبل أن يدخل في بنية النسيج.
كما أن الفتّال يكشف عن العلاقة المتبادلة بين المادة والأداة. فالحرير مادة لامعة، مرنة، لكنها حساسة للضغط الزائد، والأداة هنا ليست مجرد وسيلة مساعدة، بل إطار يفرض على الخيط مساراً معيّناً. الكوفية، والماسورة، والكشك، والجلج، والصندوق، والدبيب، كلها عناصر تُرغم الخيط على أن يتحول من حالة إلى حالة ضمن نظام محسوب. ومع تكرار العمل يصبح الجسد ذاته جزءاً من الأداة: اليد التي تمسك، والعين التي تراقب الانقطاع، والإصغاء إلى صوت الاحتكاك الخفيف، والحركة التي تعقد وتبدّل. هنا تتجسد الحرفة كمعرفة مركّبة، لا تُختزل في وظيفة واحدة، بل تتشكل من سلسلة قرارات صغيرة متتابعة تُتخذ في الزمن الحقيقي أثناء العمل.
في خاتمة المسار، يصل الخيط الذي عالجه الفتّال إلى ما يشبه عتبة الدخول إلى التحضير النسيجي، إذ يُدفع به إلى مرحلة المسدي، حيث ستُبنى شبكة السدى التي يقوم عليها النسيج. وعليه فإن الفتّال لا يضيف شيئاً خارجياً إلى الخيط، بل يعيد تنظيمه من الداخل: يضبط تماسكه، ويثبت سلوكه، ويجعل حركته قابلة للتوقع. وإذا كانت صناعة الحرير تُقرأ غالباً من خلال بريق المنسوج النهائي، فإن حرفة الفتّال تذكّر بأن هذا البريق يبدأ من أعمال تبدو صامتة، لكنها شديدة التأثير، لأنها تمنح المادة قابلية الاستمرار داخل السلسلة كلها.
March 3, 2026
توثيق: د. هلا قصقص
المصادر والمراجع
منير كيال. مآثر شامية في الفنون والصناعات الدمشقية. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2006.
محمد سعيد القاسمي، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1960.
هلا قصقص. Damascus Silk as Living Heritage: Craft Knowledge, Urban Memory, and Continuity under Threat. 2026.






