top of page

لا يكتمل القماش الحريري الدمشقي عند خروجه من يد الحائك، لأن النسج يمنح النسيج بنيته وشكله، لكنه لا يمنحه بالضرورة صفاته النهائية التي يتعرّف إليها الناس بالعين واللمس. هنا تأتي حرفة الدقّاق بوصفها مرحلة تشطيب لازمة تُنقل فيها المنسوجات بعد النسج لتخضع لعملية تنظيف وترطيب ومعالجة ميكانيكية دقيقة، هدفها إخراج القماش بأفضل صورة من حيث نعومة الملمس، وتجانس اللون، ولمعان السطح، واستواء الهيئة العامة للنسيج.

<p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right">المصادر والمراجع</p>
<ul class="font_8">
  <li style="text-align: justify" dir="RTL"><p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: justify">منير كيال. <em>مآثر شامية في الفنون والصناعات الدمشقية</em>. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2006.</p></li>
  <li style="text-align: right" dir="RTL"><p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right">محمد سعيد القاسمي، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. <em>قاموس الصناعات الشامية</em>. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1960.</p></li>
  <li style="text-align: right" dir="RTL"><p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right">هلا قصقص. <em>Damascus Silk as Living Heritage: Craft Knowledge, Urban Memory, and Continuity under Threat</em>. 2026.</p></li>
</ul>

يقوم الدقّاق باستقبال القماش بعد أن يكون قد نُسج وربما صُبغ وجفّ، ثم يبدأ بإزالة ما علق به من آثار النشاء أو المواد المضافة في المراحل السابقة، عبر الغسل بالماء والصابون. هذه الخطوة ليست تفصيلاً ثانوياً، لأنها تعيد للخيوط حريتها داخل النسيج وتمنع أن يبقى القماش قاسياً أو متخشباً بفعل ما يترسّب بين الألياف. وبعد الغسل يُبلّل القماش بالماء ليصبح قابلاً للمعالجة، ثم يبدأ العمل الأهم، وهو الدقّ بالمِدقّة، وهي مطرقة خشبية يُستعمل وزنها وإيقاعها لإحداث أثر محسوب على سطح النسيج. الدقّ هنا ليس ضرباً عشوائياً، بل تقنية تشطيب تتطلب خبرة في تقدير درجة البلل، ومقدار الضغط، وزمن المعالجة، لأن المقصود أن يتماسك النسيج ويستوي سطحه من دون أن تتأذى الخيوط أو تبهت الصباغة.


ومن نتائج هذه العملية أن القماش يخرج أكثر نعومة وأشد تجانساً، وتتحسن هيئته البصرية بحيث يظهر التموج واللمعان بوضوح أكبر، وهي صفات ترتبط في المخيال المحلي بقيمة الحرير وجودته. لذلك يمكن النظر إلى الدقّاق على أنه صانع المظهر النهائي للنسيج، فهو الذي ينقل القماش من حالة الإنتاج إلى حالة الجاهزية للتداول والاستهلاك. وفي منسوجات الحرير خصوصاً، حيث تتداخل قيمة المادة مع قيمة الإتقان، تصبح مرحلة الدقّ جزءاً من معيار الجودة نفسه، لا خطوة تكميلية يمكن الاستغناء عنها.


ولا تنفصل هذه الحرفة عن جغرافية دمشق الحرفية، إذ كان للدقّاقين سوق معروف يحمل اسمهم قرب سوق البزورية، بما يعكس مركزية التشطيب في اقتصاد النسيج داخل المدينة. غير أن طبيعة العمل بما فيها من صوت الطرق المستمر وما يرافقه من أثر حسّي في المكان جعلت الحرفة عرضة للاعتراضات والشكاوى، الأمر الذي أدى في مرحلة لاحقة إلى إزاحة السوق من موضعه وتشتت العاملين في الخانات. تكشف هذه الحكاية عن وجه آخر من تاريخ الحرف، حيث لا تحدد المهارة التقنية وحدها استمرارية المهنة، بل تتدخل أيضاً اعتبارات التنظيم الحضري وإدارة الضجيج والراحة العامة في إعادة رسم خرائط العمل داخل المدينة. وبذلك يصبح الدقّاق مثالاً واضحاً على تفاعل الحسّ والاقتصاد والحرفة مع سياسات المكان، وعلى كيفية انتقال بعض المهن من فضاءات سوقية مركزية إلى توزيع أكثر تفرقاً تبعاً لمتطلبات المدينة وتوازناتها.


وفي سلسلة الحرير الدمشقي، يشكل الدقّاق حلقة حاسمة بين النول وبين القماش بوصفه منتجاً مكتملاً. فإذا كان الحائك يمنح النسيج بنية السدى واللحمة، فإن الدقّاق يمنحه ملمسه النهائي وبريقه ونعومته، ويعيد ترتيب العلاقة بين الخيط والضوء على سطح القماش. ومن خلال هذه المرحلة تتجسد خبرة دمشق الحرفية في فهم المادة وتطويعها، ليس فقط لصناعة نسيج، بل لصناعة أثر بصري ولمسي يظل جزءاً من ذاكرة المدينة ومن معاييرها الجمالية المتوارثة.

March 4, 2026

توثيق: د. هلا قصقص

المصادر والمراجع

  • منير كيال. مآثر شامية في الفنون والصناعات الدمشقية. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2006.

  • محمد سعيد القاسمي، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1960.

  • هلا قصقص. Damascus Silk as Living Heritage: Craft Knowledge, Urban Memory, and Continuity under Threat. 2026.

سلسلة الحرير الدمشقي (8) | الدقّاق

bottom of page