تُعدّ حرفة الصناديقي من الحرف الخشبية التقليدية المعروفة في دمشق، وهي الحرفة التي يقوم صاحبها بصناعة الصناديق الخشبية وما يتصل بها من مكمّلات وأثاث منزلي، كما يُطلق الاسم أيضاً على من يشتغل بالصدف ويقوم بتطعيمه في الخزائن والفرش والصناديق. وبهذا المعنى، لا تقتصر دلالة الصناديقي على إنتاج صندوق خشبي بوصفه وعاءً للحفظ فحسب، بل تمتد إلى مجال أوسع من الصناعات المنزلية المرتبطة بتأثيث البيت الدمشقي وتجهيزه، وإلى تقاليد زخرفية ومادية ارتبطت بالخشب والصدف معاً. وتفيد المادة الميدانية بأن الاسم الشائع اليوم هو النجّار، غير أن مصطلح الصناديقي يبقى أكثر دقة حين يتعلق الأمر بهذا الاختصاص التقليدي المرتبط بصناعة الصناديق والبيريّات والخزائن والمكمّلات الخشبية.

ويؤكد قاموس الصناعات الشاميةهذا المعنى حين يعرّف الصناديقي بأنه من يعمل صناديق الخشب من خشب الجوز وغيره، ويصنع كذلك البيريّات والسكملات وأمثالها، ويطلق الاسم أيضاً على من يشتغل بالصدف. ويورد القاموس أن من مصنوعاته البيريّات، والخزائن، والصناديق، وبراويز المرايا، والكنبات، والكراسي، والسكملات، وسائر ما يُعمل من الأصناف الخشبية. ويشرح كذلك أن إتمام هذه المصنوعات كان يحتاج إلى حفر الصدفة بواسطة مبرد حديد، ثم إلصاقها في موضعها بمادة خاصة، قبل طلاء السطح وصقله ليظهر في نهاية من الإتقان واللطف والبهجة. ويكشف هذا الوصف أن الحرفة كانت تقوم على الجمع بين البنية الخشبية الأساسية والزخرفة الدقيقة، وأنها لم تكن صناعة نفعية بسيطة، بل ميداناً يجمع النجارة بالتزيين والتشطيب الرفيع.
وتُظهر المعطيات الواردة في التوثيق الميداني أن هذه الحرفة ارتبطت في دمشق القديمة بسياق اجتماعي واضح، إذ كانت من الصناعات المطلوبة بكثرة لدى أهالي المدينة وأغنياء القرى، ولا سيما في سياق تجهيز العرائس والبيوت الجديدة. فقد كان من المألوف أن يرغب الناس في اقتناء خزانة، وبيريّات، ومرايا كبيرة، وسكملة، وغيرها من المكملات التي تُعدّ جزءاً من جهاز البيت. ومن هنا اكتسبت الحرفة أهميتها لا بوصفها عملاً خشبياً فحسب، بل بوصفها جزءاً من بنية الحياة الاجتماعية الدمشقية وعاداتها المنزلية، حيث ارتبطت مصنوعات الصناديقي بمظاهر الترتيب والوجاهة والاكتمال داخل البيت. ويحدد التوثيق مكان استمرار هذه الحرفة اليوم في دمشق القديمة، ولا سيما في القيمرية وبحرة الأسعدية، في ورشة أبي صبحي، بما يدل على بقاء بعض مراكزها الحرفية في النسيج التاريخي للمدينة.
أما على مستوى المواد الخام، فتعتمد الحرفة في صيغتها المعاصرة على أنواع مختلفة من الخشب، منها الجوز، والزان، والسويّد، والشوّح، وهي أخشاب تتفاوت في صلابتها وكلفتها وملاءمتها للغرض المطلوب. كما يُستخدم الغراء الأبيض في تجميع القطع الخشبية وصناعة الصناديق، بينما كانت المادة المستعملة في السابق هي الغراء الأحمر. وتفيد هذه المعلومة بأن الحرفة حافظت على مادتها الأساسية، أي الخشب، لكنها عرفت تغيراً جزئياً في المواد المساعدة، خاصة مواد اللصق، بما يعكس انتقالها من بعض الوسائط التقليدية إلى أخرى صناعية حديثة من دون أن تتخلى عن جوهرها اليدوي.
وتقوم هذه الصناعة على عدد من الأدوات التي تكشف عن طابعها المهني الدقيق. فمن أبرزها الشلّة، وهي الأداة المستخدمة لتقطيع الخشب بحسب القياس المطلوب؛ والحسّاسة، التي تُستعمل لتنظيف الغراء الزائد بعد تثبيت القطع؛ والملازم، وهي أدوات تثبيت تُمسك الصندوق بعد وضع الغراء حتى يشتدّ تماسكه. ويشير التوثيق إلى أن هذه الأدوات تمثل جزءاً من اللغة الحرفية الحية للحرفة، وأن بعضها يحلّ اليوم محل أدوات أقدم ورد ذكرها في القاموس، مثل الريشة التي كانت تستخدم في مراحل الحفر أو التشطيب. ومن هنا يمكن ملاحظة أن الحرفة لم تبقَ ساكنة، بل عرفت تحولات في أدواتها تبعاً لتطور الوسائل المتاحة، مع احتفاظها بالمنطق التقني نفسه القائم على القياس والقص والتجميع والتثبيت والتنعيم.
وتبدأ مراحل العمل، بحسب الرواية الحرفية المعاصرة، بحساب كميات الخشب المطلوبة للعلب أو الصناديق، وهي مرحلة أساسية لأنها تحدد منذ البداية الاقتصاد في المادة ودقة التنفيذ. بعد ذلك تُقطّع الأخشاب وتُنعّم، ثم تُشرح دفوف الخشب بالمقاييس المطلوبة على الشلّة، قبل قصّها على الديسك بزاوية خمسٍ وأربعين درجة، وهي زاوية ضرورية لالتحام الزوايا الأربع للصندوق على نحو دقيق ومتناسق. ثم تنتقل العملية إلى مرحلة تجميع القطع الخشبية وتلصيقها بالغراء، تليها إضافة الوجهين العلوي والسفلي للعلبة وتثبيتهما. وبعد ذلك توضع الملازم الخشبية مدة يوم تقريباً حتى يثبت التركيب، ثم تُفك هذه الملازم ويُنظّف الغراء المتبقي بواسطة الحسّاسة. وفي المراحل الأخيرة توضع مادة البرداخ، أي الكمليكا، وتُترك حتى تجف، فيأخذ السطح مظهره النهائي الأكثر نعومة وجاهزية للتشطيب أو الاستعمال. ويكشف هذا التسلسل عن حرفة تعتمد على الدقة الزمنية والقياس الصحيح وتدرج العمل أكثر مما تعتمد على الزخرفة وحدها.
وفي ضوء ما يورده قاموس الصناعات الشامية، تبدو هذه المراحل امتداداً حديثاً لمنطق أقدم في صناعة الصناديق الدمشقية. فالقاموس يوضح أن الصنايعي كان بعد إتمام المقاسات يحفر مواضع الصدف إن كانت القطعة مطعّمة، ثم يلصق الصدفة بمقدار محسوب، ويملأ الفراغات، ثم يترك العمل حتى يجف قبل أن يقشر الطلاء ويصقله ليظهر في غاية الإتقان. والمقارنة بين هذا الوصف وبين الممارسة المعاصرة تُظهر أن الاختلاف الأبرز لم يقع في جوهر الصنعة، بل في الأدوات والمواد وبعض خطوات التنفيذ. فالحرفة اليوم تستعمل الشلّة والديسك والغراء الأبيض على نحو أوضح، في حين كان المرجع القديم يشير إلى الريشة وإلى تقنيات أكثر ارتباطاً بالحفر اليدوي الدقيق. أما المادة الأساسية والمنطق التركيبي العام، فقد بقيا متقاربين إلى حد بعيد.
ويبرز في التوثيق الحرفي الراهن اسم الحرفي محمد السكري، البالغ من العمر نحو سبعين عاماً، وصاحب خبرة تمتد أربعين سنة، وهي خبرة تعكس عمق التراكم المهني الذي تحتاجه الحرفة. وتشير المادة إلى أن تعلمها يتم في إطار عائلي وراثي، ما ينسجم مع طبيعة كثير من الحرف الدمشقية التي تنتقل بالممارسة اليومية لا بالتعليم النظامي. كما يقدَّر عدد الممارسين المعروفين اليوم بنحو ثلاثمئة في دمشق وريفها، وهو عدد يدل على أن الحرفة ما تزال حاضرة، لكنها تعمل في ظروف مغايرة لما كانت عليه في الأزمنة السابقة، حين كانت مصنوعات الصناديقي جزءاً أساسياً من حاجات البيت التقليدي.
ومع أن الحرفة ما تزال تمارس، فإنها تواجه تحديات واضحة. فبحسب التوثيق الميداني، تعدّ هذه المهنة متعبة قياساً إلى العائد المادي المحدود، كما أن الأوضاع الاقتصادية العامة في سوريا جعلت الإقبال على هذه المنتجات أقل مما كان عليه، لأنها صارت تُعدّ في كثير من الأحيان من الكماليات. ويعني ذلك أن المشكلة لا تكمن في غياب المهارة أو اندثار المعرفة تماماً، بل في تقلص السوق الاجتماعية التي كانت تمنح هذه المصنوعات مكانتها الضرورية داخل البيت. ومن هنا تتبدى أزمة الحرفة بوصفها أزمة ذوق استهلاكي واقتصاد منزلي أيضاً، لا مجرد أزمة تقنية أو مهنية.
على أن أهمية حرفة الصناديقي لا تنحصر في وظيفتها العملية أو في صلتها بالجهاز المنزلي، بل تكمن أيضاً في تمثيلها جانباً من الثقافة المادية الدمشقية. فهي حرفة تقوم على تحويل الخشب الخام إلى عناصر تحفظ الأشياء وتزين المكان في آنٍ معاً، وتربط بين الحاجة اليومية وبين القيمة الجمالية. كما أن امتداد المصطلح ليشمل الاشتغال بالصدف يضعها في منطقة وسطى بين النجارة والزخرفة، ويجعلها إحدى الحرف التي أسهمت في تشكيل صورة الأثاث الدمشقي التقليدي بخصائصه المعروفة من حيث الصنعة والهيئة والاستخدام.
وبذلك يمكن القول إن الصناديقي الدمشقي يمثل حرفة خشبية مركبة، نشأت من حاجات البيت ومن تقاليد التأثيث والزينة، وتطورت ضمن بيئة اجتماعية أعطتها مكانة معتبرة، ثم دخلت اليوم مرحلة جديدة تتقلص فيها الوظيفة الاجتماعية القديمة وتبقى فيها القيمة التراثية والحرفية أكثر وضوحاً. ومن خلال الجمع بين ما سجله قاموس الصناعات الشامية وبين ما حفظه التوثيق الميداني المعاصر، تظهر هذه الحرفة بوصفها جزءاً أصيلاً من الذاكرة الحرفية لدمشق، بما تحمله من مهارة يدوية، ولغة مهنية، وعلاقة وثيقة بالخشب والبيت والمجتمع.
March 9, 2026
توثيق: زينة أورفه لي وماسة الطويل
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص
المصادر والمراجع
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1960.
كيال، منير. مآثر شامية في الفنون والصناعات الدمشقية. دمشق: وزارة الثقافة، 2007.
أورفه لي، زينة. نموذج توثيق حرفة الصناديقي. توثيق ميداني، دمشق القديمة، القيمرية، بحرة الأسعدية، ورشة أبو صبحي، 19/2/2026.





















