top of page

ترتبط حِرفة القَمَرْجي في الذاكرة الحِرَفية الشامية بصناعة عنصرٍ معماريّ شديد الخصوصية: نافذة تُنجَز من جبصينٍ مُفرَّغ تُملأ فراغاته بقطعٍ من الزجاج الملوّن وفق تشكيلاتٍ زخرفية، فتغدو النافذة وسيطاً بصرياً بين الداخل والخارج، يرشّح الضوء ويعيد توزيعه داخل الحيز السكني. وقد استقر في التداول المعاصر وصفٌ تقنيّ أكثر مباشرة لهذا المنتج هو "الزجاج المُعشَّق الدمشقي"، بما يُبرز فكرة التعشيق/الامتزاج بين مادّتَي الجبصين والزجاج بوصفها جوهر العملية الإنتاجية.

<p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right"><strong>المصادر والمراجع</strong></p>
<ul class="font_8">
  <li style="text-align: right" dir="RTL"><p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right">القاسمي، محمد سعيد؛ القاسمي، جمال الدين؛ العظم، خليل. <em>قاموس الصناعات الشامية</em>، تحقيق وتقديم: ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس، 1988</p></li>
  <li style="text-align: right" dir="RTL"><p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right">نموذج توصيف الحرفة (القمرجي/الزجاج المعشّق الدمشقي)، إعداد: أحمد خالد اليغشي، 1/2/2026</p></li>
</ul>

المصطلح ودلالاته

يُظهر الاستعمال المعجمي القديم للمصطلح مرونةً دلالية لافتة؛ إذ لا يقف عند معنى “الصانع” وحده، بل يمتدّ ليلامس اقتصاد المواد والأدوات المرتبطة بهذه النوافذ. فالقمرجي يتصل بحقل النوافذ والشبابيك وما يتطلبه صنعها من زجاجٍ وأدواتٍ لقصّه وتسويته، بما يعكس تداخلاً بين الحِرفة وبين سوق مواد البناء والزينة المنزلية. كما يتصل المصطلح بمفردة "القمرية" بوصفها تسمية للنافذة ذاتها في البيوت القديمة، وهي تسمية تتكثّف فيها علاقة النافذة بالضوء بوصفه أثراً وظيفياً وجمالياً في آن.


المجال المكاني والوظيفة المعمارية

يبرز حضور هذه الحرفة ضمن سياق العمارة التقليدية في دمشق، ولا سيما في الأحياء التي حفظت نماذج من البيوت ذات التنظيم الداخلي القائم على الضوء المتدرّج والخصوصية البصرية. وفي هذا الإطار، لا تُقرأ "القمرية" كفتحة إنشائية فحسب، بل كعنصرٍ مُركَّب ينجز ثلاث وظائف متزامنة:

1. الإنارة المفلترة عبر الزجاج الملوّن،

2. الخصوصية عبر تفتيت مجال الرؤية ومنع النفاذ البصري المباشر،

3. التزيين عبر تحويل الضوء إلى “مادة” تتشكّل على الجدران والأرضيات وفق تبدّل ساعات النهار.


المواد الخام والأدوات

تقوم صناعة الزجاج المُعشَّق على مادّتين أساسيتين:

· الجبصين بوصفه المادة الحاملة التي تُشكَّل وتُفرَّغ،

· الزجاج الملوّن بوصفه المادة الضوئية التي تُملأ بها الفراغات.


وتستلزم العملية أدواتٍ دقيقة تجمع بين القصّ والتنعيم والتسوية، من قبيل: منشارٍ صغير، مبردٍ ناعم، أوراق تنعيم وصنفرة (ورق زجاج)، وأداة قصّ الزجاج المعروفة حرفياً بـ«الماسة». وتُشير هذه العُدّة إلى أن الحرفة ليست تزييناً لاحقاً يُضاف إلى العمارة، بل تقنية مركّبة تتطلب خبرة في التعامل مع مادّتين مختلفتين في الصلابة والسلوك: مادةٍ مسحوقية قابلة للقولبة (الجبصين) ومادةٍ هشّة تحتاج إلى قصّ مضبوط (الزجاج).


مراحل الإنتاج وتقنيات التنفيذ

كما وصف السيد الحرفي فايز تلمساني. يمكن تحليل سير العمل في هذه الحرفة بوصفه سلسلة من التحولات من الرسم إلى القالب ثم إلى المنتج المركّب:

1. التصميم على الورق: يبدأ العمل بتكوين زخرفي/هندسي يُحدّد حدود الفراغات ومسارات التعشيق.

2. صبّ الجبصين في قالب: يُسكب الجبصين ضمن قالب لتشكيل اللوحة الأساس (البلاطة).

3. نقل التصميم والحفر والتفريغ: بعد الجفاف تُرسم العناصر على سطح اللوحة، ثم تُفرَّغ يدوياً بأدوات الحفر لتكوين شبكة الفتحات.

4. التنعيم والمعالجة السطحية: تُسوّى الحواف ويُعالج السطح لضمان دقة الفتحات واستقرار الزجاج لاحقاً.

5. تركيب الزجاج الملوّن: تُقص القطع الزجاجية بحسب الفتحات، ثم تُنزَّل داخل التشكيل وفق نظام اللون والخط.

6. التثبيت: تُثبَّت القطع داخل الجبصين إمّا بمادة لاصقة أو بمادة جبصين، بما يضمن عدم الحركة أو الاهتزاز.

7. الروبة/الطبقة الختامية: تُحضَّر "روبة" من الجبصين وتُصبّ على اللوحة لتتماسك القطعة كوحدة واحدة متماسكة.

وبذلك يتكوّن المنتج النهائي بوصفه لوحةً معمارية يمكن إدماجها ضمن فتحة نافذة، أو إعادة توظيفها كعنصر زخرفي مستقل في سياقات ترميمية أو تصميمية معاصرة.


التحوّلات التاريخية في المادة والاسم

تستدعي الذاكرة الحِرَفية سرديةً عن تحوّل المادة التي كانت تُملأ بها الفراغات في مراحل أقدم، من شرائح حجرية (يُشار إليها بوصفها كوارتز) إلى الزجاج الملوّن لاعتبارات تتصل بسهولة الاستخدام والتقطيع وتنوع الألوان. وفي السياق ذاته، يبرز مصطلح الزجاج المعشّق بوصفه تسمية تعكس هذا التحول: إذ يركّز على آلية الاندماج البنيوي بين الزجاج والجبصين أكثر من تركيزه على "القمرية" كعنصر نافذي مرتبط بالضوء.


الوضع الراهن والتحديات

تواجه الحرفة اليوم تحديات بنيوية تُقارب خطر الانقطاع. فارتفاع كلفة الزجاج وصعوبة تأمينه يرفعان كلفة المنتج النهائي ويقلّصان الطلب التجاري المباشر، حتى عندما يبقى الطلب حاضراً في مشاريع ترميم العمارة التقليدية. كما يؤثر تضاؤل عدد الممارسين وغياب قنوات التدريب المستقرة في هشاشة انتقال المعرفة التقنية، لتتحول الحرفة تدريجياً من ممارسة مجتمعية إلى خبرة فردية نادرة.


خاتمة

تقدّم حرفة القمرجي نموذجاً بالغ الدلالة على تلاقي الحِرفة بالعمارة: فهي ليست "حرفة زينة" منفصلة عن البناء، بل تقنية لتشكيل الضوء داخل البيت، وتاريخ مصطلحي يعكس اقتصاد المواد والأسواق، ومعرفة يدوية تتطلب دقة عالية في الرسم والقصّ والحفر والتثبيت. ومن هنا، تُقرأ استمراريتها بوصفها جزءاً من استمرارية العمارة الحضرية نفسها: إذ إن فقدان الحرفة لا يعني فقدان منتجٍ جميل فحسب، بل فقدان طريقةٍ تاريخية في "بناء الضوء" داخل المدينة.

February 28, 2026

توثيق: أحمد خالد اليغشي

تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص

المصادر والمراجع

  • القاسمي، محمد سعيد؛ القاسمي، جمال الدين؛ العظم، خليل. قاموس الصناعات الشامية، تحقيق وتقديم: ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس، 1988

  • نموذج توصيف الحرفة (القمرجي/الزجاج المعشّق الدمشقي)، إعداد: أحمد خالد اليغشي، 1/2/2026

حرفة القمرجي

bottom of page