top of page

تُعدّ الخراطة من الحرف الخشبية التقليدية العريقة في دمشق، وهي حرفة تقوم على تشكيل الخشب وتسويته وصقله حول محور دوران باستخدام أداة مخصوصة تُعرف بالمخرطة، حتى تخرج القطعة متناظرة الشكل وناعمة السطح من جميع جوانبها. وتقوم هذه الحرفة على الجمع بين دقة الآلة ومهارة اليد، إذ لا تقتصر على مجرد تدوير الخشب، بل تشمل أيضاً نحته وتفصيله وصقله وفق الشكل المطلوب، بما يسمح بإنتاج عناصر وظيفية وزخرفية متنوّعة تدخل في الأثاث والأدوات المنزلية وبعض الصناعات الشعبية. وقد استُخدمت الخراطة في دمشق لصنع الدرابزين، والكراسي الشعبية، وقوائم الطاولات والأرائك، وقوالب الحلويات، وطبعات خبز العيد، والبرجيس، وآلات الشطرنج، وغيرها من القطع التي تجمع بين المنفعة والحرفة الدقيقة.

<p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right"><strong>المصادر والمراجع</strong></p>
<ul class="font_8">
  <li style="text-align: right" dir="RTL"><p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right">القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1960.</p></li>
  <li style="text-align: right" dir="RTL"><p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right">كيال، منير. مآثر شامية في الفنون والصناعات الدمشقية. دمشق: وزارة الثقافة، 2007.</p></li>
  <li style="text-align: right" dir="RTL"><p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right">زينة أورفه لي، نموذج توثيق حرفة الخراطة، توثيق ميداني، 16/2/2026.</p></li>
</ul>

ويؤكد ما ورد في قاموس الصناعات الشامية هذا المعنى، إذ يعرّف الخرّاط بأنه الحرفي الذي يخرط العود أو الخشب بآلة مخصوصة معلومة، فيُخرج القطعة بعد خرطها ناعمة متساوية من جميع جهاتها، مع إمكان إضافة النقش والتفريم بحسب رغبة المشتري. ويورد القاموس أمثلة عديدة على منتجات هذه الحرفة، مثل كراسي الدرازين، وقلوب الأراگيل، وبعض الآلات والقطع الخشبية الأخرى، كما يصفها بأنها حرفة شهيرة رائجة كان لها في دمشق سوق مخصوص عُرف باسم "درب الخراطين" في أول جادة الدرويشية. ويكشف هذا الوصف عن رسوخ الحرفة في النسيج الاقتصادي والعمراني للمدينة، كما يدل على مكانتها بوصفها مهنة متخصصة ذات سوق معروف وزبائن محددين.


وتُظهر المعطيات الميدانية أن الخراطة في دمشق القديمة ارتبطت أيضاً بأحياء وأسواق محددة، منها القيمرية وجادة المتولي، كما ارتبطت في الذاكرة الحرفية بوجود سوق للخراطين، وبسوق القباقبية خلف الجامع الأموي، حيث كان الحرفيون يخرطون الأقدام الخشبية لكراسي القش. وتكشف هذه الصلة بالمكان عن حضور الخراطة في الاقتصاد الحرفي الدمشقي التقليدي، وعن علاقتها المباشرة بصناعة الأثاث المنزلي ومكونات البيت الدمشقي. كما تشير الرواية الميدانية إلى أن هذه الحرفة ازدهرت في سياق البيوت الدمشقية ذات الأفنية الداخلية، حيث دخلت منتجاتها في المشربيات، والأعمدة الداخلية، وصناديق الجهاز، وأجزاء متعددة من الأثاث التقليدي.


ومن الناحية التاريخية، تعود أصول استعمال المخارط في المنطقة، بحسب المعلومات الواردة في التوثيق، إلى عصور موغلة في القِدم، إلى ما لا يقل عن القرن السابع قبل الميلاد، حيث عُرفت نماذج مبكرة منها لدى المصريين القدماء والآشوريين واليونانيين، وكانت آنذاك تحتاج إلى شخصين: أحدهما يدير قطعة الخشب بواسطة حبل، والآخر يتولى تشكيلها بأداة القطع. وتُفيد هذه الإشارة بأن الخراطة ليست فناً طارئاً، بل تنتمي إلى تاريخ طويل من تطوير أدوات تشكيل الخشب، قبل أن تتخذ في دمشق صورتها الحرفية المحلية الموروثة.


وتقوم الخراطة التقليدية، كما يوثّقها النموذج الميداني، على استخدام الخشب مادةً أساسية، وقد كان خشب المشمش والزان من الأنواع المستخدمة قديماً، ثم اتسع الاعتماد لاحقاً ليشمل أنواعاً مختلفة من الأخشاب مع تطور الأجهزة. أما الأداة المركزية فهي المخرطة، التي كانت في صورتها القديمة تتحرك يدوياً إما بتحريك القوس أو بالقدم، ثم حلت محلها المخرطة الحديثة التي تعمل بمحرك كهربائي. وتُستخدم إلى جانبها أزاميل وأدوات حادة مختلفة الأحجام والأشكال، بما يتيح للحرفي الانتقال من التشكيل الخشن إلى التشطيب الدقيق. ومن المصطلحات المهنية التي ما تزال متداولة في هذه الحرفة أداة “الحسّاسة”، وهي أداة مخصصة لتنعيم الخشب في مراحله النهائية.


أما التقنية العملية للحرفة فتبدأ باختيار قطعة خشب مفصّلة على القياس المطلوب، ثم يُلفّ عليها قشاط أو سير قوس التحريك، وتوضع بين فكي ملزمة يثبّتانها من نهايتيها على محور الدوران حتى لا تنفلت أثناء العمل. بعد ذلك يبدأ الخرّاط بموازنة مركز القطعة من خلال سحب القوس، فتمضي الخشبة في حركة أمامية وخلفية تهيئها للدوران المنتظم. وعندما تستقر هذه الموازنة تبدأ عملية الخراطة نفسها، حيث تستجيب قطعة الخشب لحركة القوس دوراناً، بينما يباشر الخرّاط نحتها وتفصيلها تدريجياً باستعمال ريش معدنية حادة ذات مقاطع ضيقة أو عريضة، مشطوفة أو مقوّرة، تبعاً للشكل المطلوب. وبعد اكتمال هيئة القطعة، ينتقل الحرفي إلى مرحلة الحسّ والتنعيم، ثم يضع مادة البرداخ، أو ما يعرف بالكمليكا، ويتركها حتى تجف، لتأخذ القطعة شكلها النهائي المصقول.


ويكشف هذا التسلسل التقني عن حرفة تتطلب خبرة عالية في ضبط الحركة والتوازن والضغط ونوعية الأداة المناسبة لكل مرحلة. فالخرّاط لا يكتفي بمتابعة دوران الخشب، بل يوجّه تشكّله لحظة بلحظة، مستنداً إلى خبرة حسية وبصرية متراكمة. ومن هنا يمكن النظر إلى الخراطة بوصفها ممارسة تجمع بين المعرفة الميكانيكية واللمسة الجمالية، لأن نجاح القطعة لا يُقاس فقط بسلامة شكلها، بل أيضاً بنعومة سطحها، وتناسق أبعادها، ودقة تفاصيلها الزخرفية أو الوظيفية.


وتدلّ الرواية الميدانية على أن هذه الحرفة كانت تنتقل في الغالب ضمن إطار عائلي، من الأب إلى الابن، وهو ما يفسر استمراريتها الطويلة بوصفها معرفة موروثة أكثر من كونها مهنة مكتسبة عبر التعليم النظامي. والحرفي الذي ورد اسمه في التوثيق، محمد هشام اللولو، يبلغ من العمر نحو تسعة وخمسين عاماً، ويمتلك خبرة تقارب أربعين سنة، ما يعكس عمق التكوين العملي الذي تتطلبه الحرفة، ويؤكد استمرارها، ولو على نطاق محدود، في بعض أحياء دمشق القديمة وفي ريف دمشق، ولا سيما في سقبا.


ومع ذلك، فإن الخراطة اليوم تواجه تحديات واضحة تهدد استمراريتها. فبحسب التوثيق الميداني، تعدّ هذه المهنة متعبة قياساً إلى مردودها المادي المحدود، كما أن ارتفاع كلفة الكهرباء أو انقطاعها يشكل عائقاً أساسياً، خاصة بعد تحول العمل إلى الاعتماد على المحركات الكهربائية. ويضاف إلى ذلك تناقص عدد الممارسين، إذ لم يبقَ في دمشق القديمة سوى عدد قليل من الحرفيين المعروفين. ويعكس هذا الواقع مساراً متكرراً في كثير من الحرف التقليدية، حيث يؤدي تراجع الجدوى الاقتصادية، وارتفاع تكاليف التشغيل، وضعف انتقال الخبرة إلى الأجيال الجديدة، إلى انكماش المهنة وانحسار حضورها في الحياة الحضرية المعاصرة.


وعلى الرغم من هذه التحديات، ما تزال الخراطة تحتفظ بقيمتها بوصفها حرفة تحمل بعداً تراثياً ومادياً مهماً في دمشق. فهي ليست مجرد تقنية لتشكيل الخشب، بل جزء من تاريخ المدينة الحرفي، ومن علاقتها بالبيت والأثاث والسوق والذوق المحلي. كما أن المقارنة بين ما ورد في قاموس الصناعات الشامية وما سجله التوثيق الميداني تكشف عن قدر واضح من الاستمرارية في جوهر الحرفة، سواء من حيث وظيفتها الأساسية أو من حيث منتجاتها وأدواتها العامة، مع أن التغير الأبرز تمثل في انتقال المخرطة من التحريك اليدوي أو القدموي إلى التشغيل الكهربائي. وهذه الاستمرارية، رغم التبدل التقني، تدل على أن الحرفة لا تزال محافظة على هويتها الأساسية، حتى وإن تغيرت شروط ممارستها.

إن الخراطة الدمشقية، في ضوء هذه المعطيات، تمثل مثالاً واضحاً على الحرف التي جمعت بين المهارة التقنية والبعد الجمالي والوظيفة اليومية. وهي حرفة نشأت في قلب البيئة الحضرية الشامية، وارتبطت بأسواق متخصصة وبيوت تقليدية وصناعات منزلية متنوعة، قبل أن تدخل اليوم مرحلة حرجة من التراجع. ومن هنا، فإن توثيقها لا يقتصر على وصف آلية عملها، بل يسهم أيضاً في حفظ جزء من الذاكرة الحرفية لدمشق، وفي إعادة إبراز قيمة المهارات اليدوية التي شكّلت، على مدى قرون، جانباً أساسياً من هوية المدينة المادية والثقافية.

March 9, 2026

توثيق: زينة أورفه لي

تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص

المصادر والمراجع

  • القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1960.

  • كيال، منير. مآثر شامية في الفنون والصناعات الدمشقية. دمشق: وزارة الثقافة، 2007.

  • زينة أورفه لي، نموذج توثيق حرفة الخراطة، توثيق ميداني، 16/2/2026.

حرفة الخراط

bottom of page