top of page

تُعدّ حرفة الحوّار، أو ما يُعرف في الاستعمال الشائع بـالبيّاض، من الحرف التقليدية المرتبطة بعمارة البيوت الطينية القديمة في ريف دمشق، ولا سيما في منطقة القطيفة وجبال القلمون. وتقوم هذه الحرفة على تبييض الجدران الداخلية باستخدام الصخور الحوّارية، في ممارسة جمعت بين العزل والتزيين ضمن بنية البيت التقليدي. وقد استُخدمت الحوارة لعزل الجدران الداخلية في بيوت القرى، كما دخلت في زخرفة عتبات الأبواب والنوافذ، وفي إكساء الرفوف الداخلية بأطراف متموجة أو مثلثة، فضلاً عن حضورها في حمّامات السوق لما تتمتع به من خاصية امتصاص الرطوبة والعزل.

<p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right"><strong>المصادر والمراجع</strong></p>
<ul class="font_8">
  <li style="text-align: right" dir="RTL"><p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right">سندس حميدي، <em>دراسة تحليلية لخصائص السكن في منطقة القطيفة بريف دمشق</em>.</p></li>
  <li style="text-align: right" dir="RTL"><p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right">محمد سعيد القاسمي، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم، <em>قاموس الصناعات الشامية</em>، تحقيق وتقديم ظافر القاسمي، دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1960.</p></li>
  <li style="text-align: right" dir="RTL"><p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right">زينة أورفه لي، <em>نموذج توثيق حرفة الحوّار</em>، توثيق ميداني، 22/2/2026.</p></li>
</ul>

تُظهر المعطيات الميدانية أن هذه الحرفة ظهرت مع تطور البيوت الطينية قبل نحو مئة وخمسين عاماً تقريباً، وأن انتشارها ارتبط بالمناطق التي تتوافر فيها الصخور الحوّارية، وهي صخور طباشيرية أو مارلية وُجدت في بادية تدمر، والمناطق الوسطى، وجبال القلمون، وجبال إدلب وحلب، إضافة إلى ريف حمص وحماة. ولهذا ارتبطت معرفة الحرفة بالمحيط الطبيعي الذي يوفّر مادتها الخام، وصارت جزءاً من منطق البناء المحلي الذي يعتمد على الموارد المتاحة والخبرة المتوارثة في توظيفها داخل العمارة الريفية.


ويُغني ما ورد في قاموس الصناعات الشامية فهم هذه الحرفة من زاوية تاريخية ولغوية أوسع، إذ يعرّف الحوّاربأنه الذي يبيّض الجدران بالحواري، ويشرح أن التحوير يقوم مقام التكليس في البيئات الريفية بسبب كلفة التكليس العالية. كما يصف طريقة العمل وصفاً قريباً مما ورد في التوثيق الميداني: يُنقع الحواري بالماء حتى يذوب، ثم يُحرّك حتى يغلظ قوامه، ويُستخدم مع عصا طويلة في رأسها فرشاة من شعر لدهن الجدار مرات متتالية حتى يكتسب الحائط هيئة الجدار المكلّس. ويذكر القاموس أيضاً أن أهل القرى كانوا يقصدون محافر الحواري في نواحي مثل ضمير وعذرا، ويختارون الحجر النقي الأبيض، ثم يباشرون تحوير بيوتهم بأنفسهم بعناية بالغة في الحسن والتماسك.


ومن خلال الجمع بين المصدرين، يظهر أن الحوّار لم يكن مجرد مادة تغطية، بل ممارسة معمارية متكاملة ذات بعد اجتماعي واضح. فالعمل، في الرواية المحلية، كانت تقوم به ربة البيت بمساعدة الجارات والأقارب، وكان يتكرر غالباً في أوائل الربيع من كل عام، حتى ارتبط بعادة موسمية من عادات أهل المنطقة. أما القاموس فيؤكد أن كثيراً ممن كانوا يقومون بهذا العمل في القرى هم من أهلها أنفسهم، لأن التحوير أوفر من التكليس وأيسر على البيئات ذات الإمكانات المحدودة. بهذا المعنى، تكشف الحرفة عن تداخل العمارة بالحياة اليومية، وعن دور أهل البيت أنفسهم في صيانة جدرانه وتحسين مظهره الداخلي.


وتقوم التقنية الأساسية للحرفة على مواد بسيطة، هي الصخور الحوّارية والماء. تبدأ العملية بإحضار حجر الحوّار ونقعه في الماء حتى يذوب، ثم يُحرّك جيداً حتى يغلظ. بعد ذلك تُستخدم عصا طويلة في رأسها فرشاة من شعر، أو تُستعمل قطعة قماش، ثم يُدهن الجدار الداخلي بعد أن يكون مطلياً بالطين بطبقات متكررة من الحوارة. ولم يقتصر استعمال هذه المادة على الجانب الوظيفي، إذ استُعملت أيضاً كمادة تزيينية عبر نحت الحجر الحواري نفسه وتشكيل زخارف توضع على الأقواس وعتبات الأبواب والنوافذ. ويؤكد هذا التداخل بين العزل والزخرفة أن الحوارة كانت جزءاً من اللغة البصرية للبيت، لا مجرد طبقة حماية داخلية.


كما يبرز المصدر القاموسي جانباً مهماً من التفضيل العملي لهذه المادة، إذ يميّز بين الحوارة في القرى وتحوير الصناع في المدن، موضحاً أن الحوارة الجيدة تُكسب الجدران هيئة ناعمة متماسكة تشبه هيئة الجدران المكلّسة، من دون أن تترك الأثر نفسه على الثياب عند الاستناد إليها. وهذه الملاحظة، وإن بدت تفصيلية، تكشف عن وعي دقيق بخصائص المادة في الاستعمال اليومي، وعن تقييم جمالي ووظيفي معاً لنجاح التحوير وجودته.


غير أن هذه الحرفة لم تعد تُمارس اليوم، إذ حلّت المونة الإسمنتية محل الحوارة في الإكساء الداخلي بسبب سهولة استخدامها وسرعتها. وتفيد معلومات التوثيق بأنه لا يوجد حالياً ممارسون معروفون لهذه الحرفة، كما أنها لم تعد مستخدمة منذ نحو عشرين سنة. ويكشف هذا التحول عن انقطاع في معارف البناء التقليدي، لا على مستوى المادة وحدها، بل أيضاً على مستوى العادة الاجتماعية التي كانت ترافقها، وعلى مستوى الحس الجمالي الذي كان يمنح الفضاء الداخلي للبيت الريفي ملمسه وهيئته الخاصة.

إن حرفة الحوّار تمثل مثالاً واضحاً على الحرف التي نشأت من تفاعل البيئة المحلية مع حاجات العمارة اليومية. فهي حرفة تقوم على مادة متوافرة في الطبيعة، وتخدم وظيفة عملية في العزل، وتؤدي في الوقت نفسه دوراً جمالياً في تشكيل الفضاء الداخلي. كما أنها تكشف عن اشتراك النساء وأهل البيت في صيانة العمارة وتجميلها، وعن حضور المعرفة الحرفية في الحياة اليومية خارج حدود الورش المتخصصة. ومن هنا فإن توثيقها لا يحفظ تقنية قديمة فحسب، بل يستعيد أيضاً جانباً من الذاكرة الاجتماعية والمعمارية في ريف دمشق.

March 9, 2026

توثيق: زينة أورفه لي

تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص

المصادر والمراجع

  • سندس حميدي، دراسة تحليلية لخصائص السكن في منطقة القطيفة بريف دمشق.

  • محمد سعيد القاسمي، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم، قاموس الصناعات الشامية، تحقيق وتقديم ظافر القاسمي، دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1960.

  • زينة أورفه لي، نموذج توثيق حرفة الحوّار، توثيق ميداني، 22/2/2026.

حرفة الحوّار

bottom of page