top of page

تُعدّ حرفة الدهّان، أو ما يُعرف في السياق الدمشقي أيضاً باسم العجمي أو الفن الدمشقي، من أبرز الحرف التقليدية المرتبطة بزخرفة العمارة الداخلية في دمشق القديمة. وتقوم هذه الحرفة على تزيين وجوه الجدران والحيطان الخشبية والسقوف بالصبغ والنقوش والزخارف الملونة، سواء أكانت هندسية أم نباتية، بما يلبّي رغبة صاحب البيت أو المحل في تجميل الفضاء الداخلي وإغنائه بصرياً. ولا تقتصر أهمية هذه الحرفة على بعدها الزخرفي، بل تتصل كذلك بمكانة البيت الدمشقي نفسه، إذ ارتبط العجمي عبر قرون بمظاهر الوجاهة والذوق والقدرة المادية، وصار عنصراً أساسياً من عناصر التشكيل الداخلي في بيوت دمشق داخل السور.

<p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right"><strong>المصادر &nbsp;والمراجع</strong></p>
<ul class="font_8">
  <li style="text-align: right" dir="RTL"><p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right">القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1960.</p></li>
  <li style="text-align: right" dir="RTL"><p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right">كيال، منير. مآثر شامية في الفنون والصناعات الدمشقية. دمشق: وزارة الثقافة، 2007.</p></li>
  <li style="text-align: right" dir="RTL"><p dir="RTL" class="font_8" style="text-align: right">زينة أورفه لي، <em>نموذج توثيق حرفة الدهّان</em>، توثيق ميداني، دمشق القديمة، 19/2/2026.</p></li>
</ul>

بحسب الرواية الحرفية المعاصرة، يُستعمل اسم الدهّان الدمشقي للدلالة على الحرفة بصيغتها المحلية المتداولة، في حين يرد اسم العجمي في المصادر المرجعية القديمة والحديثة. ويذكر التوثيق الميداني أن لهذه الحرفة أسماء متداولة أخرى، منها الفن الدمشقيوالزخرفة النافرة، وهي تسميات تكشف عن تعدد مستويات النظر إليها: فهي حرفة دهان، وفن زخرفي، وتقنية معمارية في آنٍ معاً. ويرتبط مركز ممارستها اليوم بدمشق القديمة، ولا سيما في القيمرية وزقاق القاري، حيث ما تزال بعض الورش، مثل مركز الفن الدمشقي، تحافظ على استمرارها رغم التراجع العام الذي أصاب كثيراً من الحرف التقليدية.


ويفيد قاموس الصناعات الشاميةبأن الدهّان هو الحرفي الذي يزيّن ويزخرف وجوه الجدران والحيطان بالصبغ والنقش والألوان التي يستحسنها من يريد تزيين جدره وحيطانه وسقفه ومحلاته. كما يصف القاموس هذه الصنعة بأنها واسعة الانتشار، ترتبط بشرائح اجتماعية مختلفة، وإن كان الأغنياء يعتنون بها أكثر في دورهم وكنائنهم وأملاكهم، ولا سيما في الحمّامات الدمشقية المزينة بالرش البديع. ويشرح القاموس الطريقة الأساسية للعمل، إذ يبدأ الدهّان بوضع الصمغ المسمى الكثيرة أو الكتيّرا حتى يتحلل، ثم يخلطه بالأبيض النقي ويحرّكه جيداً، وبعد ذلك يضيف الأصبغة التي يريدها ويمزجها مع مقدار من الجص الناعم، فإذا صار المزيج صالحاً للعمل تناول الصانع فرشاة من شعر وغمسها في المادة وراح يصوّر بها ما يشاء من نقوش محكمة: كرسم بلاد بديعة، أو مساكن جميلة، أو بحر وسفينة، أو أشجار كثيرة الثمر، أو أزهار وأنواع ورود. ويُظهر هذا الوصف أن الحرفة لم تكن مجرد طلاء سطحي، بل فناً تصويرياً وزخرفياً متكاملاً ذا أفق بصري واسع.


وتزداد صورة الحرفة وضوحاً عند الجمع بين هذا الوصف القاموسي وما أورده التوثيق الميداني عن نوعي الدهان العجمي الرئيسيين. فالنوع الأول هو الحريري، ويقوم على تنزيل الألوان الطبيعية على الزخارف المرسومة على الخشب، وهو دهان أملس غير نافر. أما النوع الثاني فهو النباتي، ويعتمد على وضع عجينة لدنة فوق الزخارف لكي تبدو نافرة، ثم تُلوّن بعد أن تجف. ويكشف هذا التصنيف عن فارق تقني وجمالي بين نوعين من العجمي: أحدهما يركّز على سطحية اللون ولمعانه وانسيابه، والآخر يضيف بعداً بارزاً ملموساً يجعل الزخرفة نفسها عنصراً مجسماً فوق السطح الخشبي.


وتُظهر المادة الميدانية أن هذه الحرفة ما تزال تحتفظ بنظام عمل دقيق ومتسلسل، يبدأ أولاً بإعداد مسطح خشبي أو لوح MDF بحسب القياس المطلوب، ثم تجهيز ورقة شفافة مرسوم عليها النموذج الزخرفي المراد نقله. بعد ذلك تُثقب ورقة الشف بالإبرة في مواضع الخطوط، ثم يُرش الفحم عليها لينتقل الرسم إلى اللوحة من خلال الثقوب. وعندما يثبت الرسم، توضع المادة النافرة في حالة النمط النباتي وتُترك حتى تجف، ثم تبدأ مرحلة التلوين بالألوان المطلوبة، تعقبها مرحلة التذهيب، ثم القطع، أي تحديد الخط الأسود على أطراف الزخرفة، ثم التوشيح أو الشكافة، وهي المرحلة التي يُعمل فيها الظل على العروق النباتية لإبراز عمق الزخرفة، وأخيراً تُبخ القطعة باللكلر بوصفه طبقة نهائية حامية ومثبتة. ويكشف هذا التسلسل أن الحرفة تعتمد على تراكب مراحل دقيقة، يبدأ فيها العمل من التخطيط الهندسي للرسم وينتهي بالتشطيب اللامع النهائي.


أما من حيث المواد الخام، فتعتمد الحرفة تقليدياً على الخشب، وعلى مواد طبيعية وترابية ونباتية، من بينها لحاء الشجر، والكمليكا، والألوان المستخرجة من الطبيعة، فضلاً عن مكونات العجينة النافرة، وهي الزنك، والاسبيداج، وصمغ الكتيّرا، والغراء البلدي الأحمر، والجبصين. غير أن التوثيق الحرفي المعاصر يبين بوضوح أن بعض هذه المواد تغيّر اليوم بحكم التحول الاقتصادي وتقليل الكلفة، إذ صار MDF يستعمل كثيراً بدلاً من الخشب الطبيعي، كما استُعيض عن كثير من الألوان الطبيعية بألوان الأكريليك، في حين بقيت العجينة اللدنة للزخرفة النباتية محافظة على مكوناتها الأساسية نفسها. وهذه الاستمرارية الجزئية، المقترنة بتغير جزئي في الخامات، تكشف عن آلية تكيف الحرفة مع شروط السوق الحديثة من دون أن تفقد جوهرها التقني بالكامل.


وتكتسب مادة منير كيال أهمية خاصة في إغناء فهم هذه الحرفة، لأنها تربط الدهان العجمي بالبنية الداخلية للبيت الدمشقي وبالسقوف الخشبية على وجه الخصوص. ففي عرضه للدهان العجمي يشرح كيال أن الزخارف كانت ترسم بعجينة مؤلفة من الزنك والاسبيداج والكتيّرا والغراء البلدي الأحمر والجبصين، ثم تُنفذ فوق رسوم الزخارف على أخشاب الحلقة الخشبية المختلفة للجدران، وأحياناً على الألواح الخشبية المبطنة لعمد السقف المعروفة بالـ«طُطُوات»، فتبدو الزخارف والرسوم نافرة. وبعد أن تجف هذه العجينة تُطلى بألوان ترابية نباتية مناسبة للرسم، ثم يُطلى العمل كله بالورنيش أو اللكلر. ويضيف كيال أن دهان السقف يختلف بحسب أسلوب تكوينه: فإذا كانت أعمدة السقف ظاهرة طُليت بالدهان الحريري، وهو يمتاز بخضارة وألوان فاتنة، أما إذا كانت الأعمدة مغطاة بألواح، فإن الرسوم الدهانية تأتي على هيئة رسوم وألوان سجادية عجمية تستر الأعمدة والجسور الحاملة للسقف. ومن هنا يتضح أن العجمي لم يكن عنصراً زخرفياً منفصلاً، بل جزءاً من منطق معماري متكامل يحدد شكل القاعة وانطباعها البصري العام.


ويشير كيال أيضاً إلى أن الدهان العجمي كان من مميزات الفن الإسلامي في البناء منذ العصر المملوكي، وأنه استُخدم في تزيين القاعات المكسوة بالخشب بأبهى الأصباغ وأبدع الزخارف. ويذكر أن هذا الفن حُمِل إلى سورية بواسطة عدد من الدهانين الوافدين من بلاد العجم، ثم ما لبث أن صار له في دمشق أسلوب محلي خاص، حتى أصبح له تقليد سوري مميز. كما يميز بين دهان السقوف المذهّب أو الأجنجي، الذي يعتمد على الدهانات الزيتية لإكساب السقف لمعة لامعة، وبين الدهان العجمي الناشف الذي تدخل في تركيبه مواد نباتية وترابية وتكون ألوانه ثابتة غير لامعة. وتفيد هذه الإشارة بأن العجمي الدمشقي لم يكن نسخة جامدة من أصل خارجي، بل فناً استقر في دمشق وتطور داخل بيئتها الحرفية والمعمارية إلى درجة صار معها علامة مميزة من علامات الفن الداخلي الشامي.


وتعزز المعطيات الميدانية هذا البعد العمراني والاجتماعي، إذ تؤكد أن معظم المنازل الدمشقية القديمة تحتوي على الأقل على سقف أو جدار عجمي، وأن حجم وجوده في البيت كان يتفاوت تبعاً للقدرة المادية لأصحابه. وهذا يعني أن العجمي كان حاضراً في النسيج السكني للمدينة على مستويات متعددة، من البيوت المقتصدة إلى البيوت الثرية، وإن بدرجات متفاوتة من الكثافة والتعقيد. كما تورد الرواية الميدانية أمثلة معمارية ذات قيمة خاصة، مثل القاعة الرئيسية في بيت السباعي، التي تُعد من أندر القاعات الدمشقية العتيقة التي تحتوي على سقف عجمي مؤرخ بنصوص واضحة إلى سنة 1187هـ/1773م تقريباً، وكذلك بيت حورانية المجاور لبيت العقاد، الذي وُصف بأنه يضم «أهم غرفة عجمي في العالم» بسبب نجاته النسبية من التشويه الناتج عن بعض أعمال الترميم التجاري أو المتسرع.


أما من حيث الممارسة الحرفية الراهنة، فيورد التوثيق اسم الحرفي محمد حاج قاب، البالغ من العمر نحو سبعة وأربعين عاماً، وصاحب خبرة تمتد اثنتين وثلاثين سنة، وهو ما يدل على أن الحرفة ما تزال تنتقل عبر التوارث العائلي وتستند إلى خبرة طويلة لا تُكتسب سريعاً. كما يقدّر التوثيق عدد الممارسين المعروفين بنحو مئة داخل سوريا وخارجها، منهم قرابة خمسين داخل سوريا، وهي أرقام تشير إلى أن الحرفة ما تزال حية، لكن في نطاق محدود ومهدد. ويعود هذا التراجع، بحسب المعلومات الحقلية، إلى تدهور الوضع الاقتصادي، وإلى هجرة عدد كبير من الحرفيين خلال سنوات الحرب، الأمر الذي أضعف البيئة المهنية التي كانت تضمن تبادل الخبرات واستمرار الورش.


وتسمح المقارنة بين الرواية الحرفية المعاصرة وما تذكره المصادر المكتوبة بملاحظة درجة كبيرة من الاستمرارية في جوهر الحرفة. فطريقة الصناعة والمواد الأساسية المذكورة ما تزال متقاربة إلى حد بعيد، ولا سيما في ما يتعلق بالعجينة النافرة ومراحل العمل الأساسية. غير أن بعض التفسيرات الدلالية تختلف، إذ أفاد الحرفي، بحسب التوثيق، أن كلمة العجمي في هذه الحرفة تعني الزخرفة التي لا تلتزم قاعدة ثابتة في التشكيل أو التكرار، بينما تذكر المراجع أن الاسم ارتبط أصلاً ببلاد فارس. وهذه الفجوة بين التفسير الحرفي المعاش والتفسير التاريخي المرجعي لافتة، لأنها تكشف كيف تعيد الذاكرة الحرفية تأويل المصطلحات بحسب منطق العمل والممارسة، لا بحسب أصلها اللغوي أو الجغرافي فقط.


إن حرفة الدهّان الدمشقي، أو العجمي، تمثل واحدة من أكثر الحرف التقليدية التصاقاً بالهوية البصرية للبيت الدمشقي. فهي حرفة تجمع بين الرسم والزخرفة والبناء، وتستند إلى منظومة دقيقة من المواد والأدوات والتقنيات والمصطلحات. كما أنها تكشف عن تفاعل طويل بين التقاليد المحلية والمؤثرات الوافدة، وعن قدرة البيئة الدمشقية على إعادة صوغ هذا الفن ضمن طابعها الخاص. ومن خلال الجمع بين التوثيق الميداني، ووصف قاموس الصناعات الشامية، ومعطيات منير كيال حول السقوف والقاعات العجمية، تتبدى هذه الحرفة بوصفها فناً معمارياً حياً، يحمل في مادته وتقنيته وذاكرته جانباً أساسياً من تراث دمشق الداخلي، حتى وإن كان اليوم يواجه تحديات اقتصادية ومهنية تهدد استمراره.

March 9, 2026

توثيق: زينة أورفه لي

تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص

المصادر  والمراجع

  • القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1960.

  • كيال، منير. مآثر شامية في الفنون والصناعات الدمشقية. دمشق: وزارة الثقافة، 2007.

  • زينة أورفه لي، نموذج توثيق حرفة الدهّان، توثيق ميداني، دمشق القديمة، 19/2/2026.

الدهّان الدمشقي (حرفة العجمي)

bottom of page